الجصاص
417
أحكام القرآن
حقيقته وأن فيه ضميرا به تعلق إيجاب الطهارة وأنه بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان لا يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قام دليل مراده . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة في إيجاب الوضوء من النوم ، وهذا يدل على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للوضوء ، لأنه إذا وجب من النوم لم يكن القيام إلى الصلاة بعد ذلك موجبا ، ألا ترى أنه إذا وجب من النوم لم يجب عليه بعد ذلك من حدث آخر وضوء آخر إذا لم يكن توضأ من النوم ؟ فلو كان القيام إلى الصلاة موجبا للوضوء لما وجب من النوم عند إرادة القيام إليها ، كالسببين إذا كان كل واحد منهما موجبا للوضوء ثم وجب من الأول لم يجب من الثاني ، وهذا يدل على أن " من النوم " هو الضمير الذي في الآية ، فكان تقديره : " إذا قمتم من النوم " على ما روي عن زيد بن أسلم . ويدل على أن النوم الموجب للوضوء هو النوم المعتاد الذي يجوز أن يقال فيه إنه قام من النوم ، ومن نام قاعدا أو ساجدا أو راكعا لا يقال إنه قام من النوم وإنما يطلق ذلك في نوم المضطجع ، ومن قال إن النوم ليس بحدث وإنما وجب به الطهارة لغلبة الحال في وجود الحدث فيه فإن الآية دالة على وجوب الطهارة من الريح ، وإذا كان المعنى على ما وصفنا فيكون حينئذ في مضمون الآية إيجاب الوضوء من النوم ومن الريح ، وقد أريد به أيضا إيجاب الوضوء من الغائط والبول وذلك من ضمير الآية ، لأنه مذكور في قوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) والغائط هو المطمئن من الأرض ، وكانوا يأتونه لقضاء حوائجهم فيه ، وذلك يشتمل على وجوب الوضوء من الغائط والبول وسلس البول والمذي ودم الاستحاضة وسائر ما يستتر الانسان عند وجوده عن الناس ، لأنهم كانوا يأتون الغائط للاستتار عن الناس وإخفاء ما يكون منهم ، وذلك لا يختلف باختلاف الأشياء الخارجة من البدن التي في العادة يسترها عن الناس من سلس البول والمذي ودم الاستحاضة ، فدل ذلك على أن هذه الأشياء كلها أحداث يشتمل عليها ضمير الآية . وقد اتفق السلف وسائر فقهاء الأمصار على نفي إيجاب الوضوء على من نام قاعدا غير مستند إلى شئ ، روى عطاء عن ابن عباس : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام الناس ثم استيقظوا ، فجاءه عمر فقال : الصلاة يا رسول الله ! فخرج وصلى " ، ولم يذكر أنهم توضؤوا . وروي عن أنس قال : كنا نجيء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ننتظر الصلاة فمنا من نعس ومنا من نام ولا نعيد وضوءا . وروى نافع عن ابن عمر قال : " لا يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه وينام " . وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في غير هذا الموضع . وروى أبو يوسف عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يصلي ولا يتوضأ ، فسئل عن ذلك فقال : " إني لست كأحدكم